Showing posts with label arabic. Show all posts
Showing posts with label arabic. Show all posts

Wednesday, 7 January 2009

دعوة إلى الدفاع الفكري عن الإسلام

دعوة إلى الدفاع الفكري عن الإسلام

يتناول علم الدفاع الفكري عن الإسلام (Muslim Apologetics) دراسة العقيدة الإسلامية بهدف توفير أدلة على صحة الطروحات الإسلامية. ومن هنا كان استخدم المصطلح اليونانيApologia والذي يعني الدفاع. ويهدف علم الدفاع عن الإسلام تحديداً إلى دعوة غير المسلمين إلى حقيقة الاعتقاد الإسلامي وتأ كيد صحة هذا الاعتقاد لدى المسلمين الحاليين.

وتتجلى أهمية هذا العلم اليوم أكثر من أي وقت مضى حيث المناخ الفكري الذي نعيش فيه متأثر بعمق بفكر ما بعد الحداثة. وفي وقت أصبحت فيه الحجج المضادة والاعتراضات على الإيمان بالله – والتي مفادها أن النظرة الدينية للعالم خاطئة ضمنياً وأن الدين عاجز عن توفير أي شكل من أشكال المعرفة المفيدة – أصبحت تلك الحجج جزءاً لا يتجزأ من الثقافة العلمانية، جاعلة من موضوع الدين موضوعاً مهمشاً غير ذي أهمية وهو انتقاد يمتد تلقائياً ليشمل الدين الإسلامي. وتبرز الحاجة إلى المدافعين الفكريين عن الإسلام بشكل أكبر بالنظر إلى الثقافة العلمانية المعاصرة والتي تركز حالياً على الإسلام بكونه يشكل عائقاً أمام نظرتها الكونية. ومن هنا يحتاج المسلمون إلى تكوين صورة دقيقة عن أسس وقواعد الثقافة الغربية، عوضاً عن التركيز فقط على النواحي التعبدية في العقيدة الاسلامية والرسالات السابقة. ومن الضروري هنا التركيز على عاملين من العوامل التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار.

"الخطر الأكبر الذي يواجه الإسلام والمسلمين هو مناهضة الفكر"

أولاً، يجب أن لا تقتصر عملية الاقتناع بالإسلام على التحول الروحاني فحسب، بل لا بد من التركيز على الجانب الفكريٍ أيضاً. ومن الضروري أن يتلقى شبابنا المسلم منذ بداية تعليمه الديني تأسيساً في العقيدة الاسلامية يؤهله لمناقشة عقيدته باستخدام حجج مقنعة ومنطق قوي. إن المجتمع المسلم اليوم يلحق بشبابه ضرراً بالغاً بعدم تزويده إياه بالأدوات اللازمة لدعم معتقداته. لا بد لنا من الاعتراف بالحرب الفكرية التي تشن من جميع الجهات مهددةً أي اعتقاد لا يستند إلى أساس قوي وأن ندرك أنه بغياب المبررات والأسس المتينة لإيماننا، فإننا حتماً نعد شبابنا للفشل. فبمجرد أن ينتقل الشباب إلى المراحل العليا من تعليمهم ويدخل الكليات والجامعات سيجد نفسه غير مؤهلٍ لمواجهة ما لا يمكن وصفه إلا بأنه هجمة فكرية من قبل شتى أنواع النظرات الكونية المعارضة، والتي تعرض الإسلام على أنه دين لاعقلاني.إن الخطر الأكبر الذي يواجه الإسلام والمسلمين اليوم هو مناهضة الفكر، وهي مفارقة محزنة نظراً لتراث الإسلام الفكري الغني والممتد على مدى قرون عديدة. وقد يسأل البعض: ولكن ماذا بخصوص المثقفين في مجتمعاتنا؟. يمكننا أن نجيبهم ببساطة بالسؤال التالي: من مِن بين أئمتنا وشيوخنا الأعزاء يمكنه أن يواجه كبار علماء العلمانيين و الطبيعيين أو الملحدين ويناقشهم بناءً على نفس أرضيتهم العلمية؟ أو مَن مِن علمائنا المسلمين يعد مرجعيةً معترفاً بها من قبل الأكاديميات العلمانية في تخصصات كالتاريخ و الفلسفة و علم النفس و علم الاجتماع و العلوم السياسية؟

إن علماءنا العظماء من الماضي و اللائي لازال الغرب يقدرهم حتى اليوم لم يكونوا مجرد قضاةً أو رجال عقيدة وتقوى، بل كانوا فلاسفة ورياضيين وعلماء.

وإن أردنا التحرر من عزلتنا الفكرية، فعلينا أن نتوقف عن إنتاج أئمةٍ غير قادرين على التواصل مع جمهورهم بلغته الأم ناهيك عن فهم خلفيته الثقافية، ونبدأ بإعداد أئمة هم في الوقت ذاته أساتذة جامعيون و علماء و أكاديميون محترمون. ما فائدة خطبة جمعة لإمام يتحدث فيها عن حقيقة الإسلام وفضائله إذا كان جمهوره متأثراً بالفلسفة النسبية السائدة. أو خطبة عن رحمة الله يسمعها طالب فيزياء مسلم يدرس مادة الأحياء وقد اهتز إيمانه بالله نتيجة دراسة نظريات التطور الاجتماعي البيولوجي؟.

يجب أن ننتبه أيضاً إلى أن هذه التخصصات ليست حكراً على رموزنا بل من واجب كل منا التصدي فكرياً للقضايا التي تؤثر على الإسلام. منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أصبح غير المسلم العادي مطلعاً بشكل جيد على الثقافة المعادية للإسلام والتي تتسلل إلى الوعي الجمعي من خلال المجلات ووسائل الإعلام الأخرى المشهورة.

"إذا دعاك مسلم لمناقشة الثالوث، فلا تخجل بل تبن الموضوع ، ورحب به..."

نحن المسلمون سريعون جداً في اتهام الآخرين بعرض قضايانا الإسلامية بشكل مبسط وعزلها عن إطارها وسياقها الفكري. لكننا في الواقع مذنبون باتخاذنا نفس الموقف المعادي. نحن سريعون جداً في إدانة لبنات بناء الثقافة الأوروبية ما بعد المسيحية قبل الاستفسار عنها!!. نحن نهاجم الديمقراطية دون قراءة "الجمهورية" لأفلاطون، ونهاجم الأخلاق العلمانية دون دراسة كانط، ونهاجم السياسة العلمانية دون حتى أن ندرس "هوبز".

الأكثر إقلاقاً من ذلك هو أننا متأخرون بما يقارب الخمسين عاماً على الأقل عن المسيحيين الإنجيليين فيما يتعلق بمجال العلوم الإنسانية. فقد أدرك المسيحيون التحديات التي تواجه المجتمعات المؤمنة قبلنا بفترة طويلة وخرجوا من عزلتهم الفكرية شاهرين أسلحتهم. وبينما يعيش المسلمون على هامش الوجود الفكري، أصبح المسيحيون الإنجيليون - الذين كانوا يوماً ما في رهبة من المسلمين - على خط المواجهة يتصدون للملحدين والطبيعين والإنسانيين في ميادين الفلسفة والعلوم والسياسة. وفيما يخص الحوار الاسلامي المسيحي، فقد شهد الإسلام مرحلة ذروة في عام 1980 عندما أمد الراحل أحمد ديدات (رحمه الله) حالة الركود والتراجع في واقع المسلمين بدفعة من الثقة التي كنا في أمس الحاجة إليها. فقد شن بأسلوبه وأبحاثه هجوماً نارياً على المسيحيين الإنجيليين، وضربة تلو الأخرى أخذ يكشف وجود ضعفٍ كبيرٍ في أساساتهم ومعارفهم الدينية. للأسف فقد ولت تلك الأيام وحصد المسيحيون الإنجيليون الجدد ثمار دراسة تخصصات كالفلسفة والمنطق ووضعوا حججاً مقنعةً للدفاع عن المسيحية، والأهم من ذلك أنهم كونوا حججاً ضد الإسلام ولم يعودوا خائفين من مناظرة المسلمين. "إذا دعاك مسلم لمناقشة الثالوث، فلا تخجل بل تبن الموضوع، ورحب به..." كما يقول أحد المسيحيين الإنجيليين في إحدى محاضراته حول كيفية مناظرة المسلمين.

يمكن تقسيم مجال الدفاع الفكري عن الإسلام بشكل عام إلى شقين : هجومي (أو إيجابي) ودفاعي (أو سلبي). يسعى الشق الإيجابي لتوفير دلائل إيجابية على صحة الطروحات الإسلامية. بينما يسعى الشق السلبي لتفنيد الاعتراضات على تلك الطروحات. ويمكن تقسيم الشق الهجومي بدوره إلى قسمين: أولاً: فرع الثيولوجيا الطبيعية الذي يتضمن الدلائل على وجود الله. وثانياً الأدلة على صحة الإسلام والتي قد تشمل معجزة القرآن الكريم.

الشق الدفاعي يتكون أيضاً من فرعين: فرع الثيولوجيا الطبيعية الذي يقدم ردوداً على الاعتراضات على الإيمان بالله كمبدأ النسبية وغيره. وفرع الأدلة الإسلامية الذي يقدم ردوداً على الدراسات الحديثة التي تستهدف القرآن أي على ادعاءات خطأ النصوص الإسلامية، القرآن والحديث.




Wednesday, 23 July 2008

حجة الكلام الكونية



من الحجج القوية على وجود الله الحجة الكونية المسماة بـ "حجة الكلام" . هذه الحجة لها تراث إسلامي غني يعود إلى الفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى أمثال الغزالي رحمه الله، ومن هنا جاء اسمها العربي "الكلام" والذي يتم تعميمه اليوم من قبل المسيحيي الإنجيليي د. كريغ (W. L. Craig).

ما يميز حجة الكلام عن الحجج الكونية الأخرى، هو أنها تفترض أن هناك شيئاً موجوداً ومن ثم انطلاقاً من وجوده تثبت وجود مسبب أول متجاوز.

وقد تم مؤخراً إحياء شعبية هذه الحجة من قبل فلاسفة المسيحية المعاصرين. وثمة ملاحظة أخرى نذكرها هنا، وهي أن دوكينز في كتابه الشهير "وهم الإله" يتجنب ذكر هذا النسخة تحديداً من الحجج الكونية ويركز بدلاً من ذلك على صيغ أخرى بدائية إلى حد ما. وربما يعود ذلك إلى حقيقة أن حجتة المضادة الرئيسية التي مفادها "أنهم ( أي أصحاب الحجج الكونية) يفترضون افتراضاً غير مبرر إطلاقاً بأن الله هو نفسه في مأمن من التراجع اللانهائي( infinite regress)" لا ترقى إلى كونها حجة مبطلة لحجة الكلام الكونية.

صيغة حجة الكلام بسيطة وهي كالتالي:

1. كل ما توجد بداية لوجوده، يوجد مسبب لوجوده.

2. الكون بدأ في الوجود.

3. بالتالي، فإن الكون له مسبب.

الفرضية الفلسفية (1) هي مبدأ أول في الميتافيزيقا (فرع الفلسفة الذي يبحث في ما هو موجود) والذي وصفه أرسطو على أنه علم الوجود. والتسليم بصحة هذه الفرضية يبدو بالتأكيد أكثر عقلانيةً من إنكارها.. فكرة أن الأمور يمكن أن تقفز الى حيز الوجود دون مسبب تبدو غير مبررة عقلانيا.ً فالوجود يأتي من الوجود، ومن العدم، لا يأتي سوى العدم. وكما قال أرسطو مرة : لا ينبغي العمل على إثبات مقترح باستخدام مقترح آخر أقل وضوحاً.
لقد نفى الملحدون تقليدياً الفرضية (2) مسلمين في المقابل بأبدية الكون. ولكن هناك أسباب وجيهة، فلسفية وعلمية على حد سواء، تدعو إلى الاعتقاد بأن الكون له بداية محددة. فلسفياً، تبدو فكرة الماضي اللانهائي سخيفة. حيث إنه إن لم يوجد بداية محددة للكون، فإن عدد الأحداث الماضية في تاريخه سيكون لانهائياً، مما يثير إشكالات لا يمكن لمؤيدي أبدية الكون تجاوزها. كيف يمكن للحدث الحاضر أن يتحقق بوجود عدد لا نهائي من الأحداث السابقة له والتي يجب أن تنقضي أولاً ؟ إن أي حدث يتم اختياره بشكل عشوائي ستسبقه سلسلة لانهائية من الأحداث الماضية. ومن المفارقات أنه في هذا السيناريو المعطى فإن الحاضر لن يتحقق أبداً. وتعرف هذه المشكلة بـ "مشكلة عبور اللانهاية" ( traversing the infinite ).

إضافة إلى ذلك، فقد بعثت سلسلة مميزة من الاكتشافات في مجال علم الفلك والفيزياء الفلكية على مدى القرن الماضي الحياة مجدداً في حجة الكلام. لدينا اليوم أدلة قوية على أن الكون ليس لانهائياً في ماضيه، بل كانت له بداية حاسمة قبل 13.7 بليون سنة تقريباً في حدث خارق معروف باسم ‘الانفجار العظيم‘.

حتى عام1920، اعتبر الكون أبدياً ومستقراً في بنيته. وفي عام 1929 وجد الفلكي الأمريكي إدوين هابل (Edwin Hubble) أن الضوء المنبعث من المجرات البعيدة أشد احمراراً من ذلك المنبعث من المجرات الأقرب إلينا. والسبب في ذلك-يوضح هابل- أن هذه المجرات البعيدة تتحرك مبتعدة عنا. ومن ثم، فإن الكون آخذ في التوسع.

من المعروف منذ زمن طويل أن موجات الضوء المنبعثة عن مصدر آخذ في الانحسار تمتد وبالتالي تتحول باتجاه النهاية الحمراء من الطيف. وقد وجد هابل أن الانزياح الأحمر يزداد كلما كانت المجرة أبعد عنا وأن هذا الأثر يحدث في كل الاتجاهات. أبسط تفسير لهذه الحقائق هو أن المجرات تتباعد عنا في شكل من التوسع الفضائي. ومعنى هذا التوسع أن بنية الكون كانت مضغوطة أكثر في الماضي وأن هناك نقطة رياضية محددة بدأ عندها الكون وأخذ في التوسع انطلاقاً منها منذ ذلك الحين. وهذا يعني أن الكون بدأ بانفجار واسع في وضعية شديدة الكثافة، وهو الحدث المعروف باسم الانفجار العظيم.

يقول الفيزيائي البريطاني دافيس (PCW Davies):

"إذا استقرأنا هذا التوقع إلى مداه الأقصى، سيؤدي بنا ذلك إلى استنتاج وجود نقطة معينة في الماضي تتقلص عندها جميع المسافات في الكون إلى الصفر. ومن ثم وجود متفردة كونية تشكل حداً زمنياً أقصى للكون. ولن يمكننا الاستمرار في المنطق المادي أو حتى مفهوم المكان والزمان بوجود حد كهذا. لهذا السبب، فإن معظم علماء الكون ينظرون للمتفردة البدائية على أنها بداية الكون، وتبعاً لهذه النظرة يمثل الانفجار الكبير حدث الخلق ليس فقط لكامل المادة والطاقة في الكون، بل حتى للمكان والزمان نفسهما".

P. C. W. Davies, "Space & time Singularities in Cosmology," in The Study of Time III, ed. J. T. Fraser (Berlin: Springer Verlag, 1978), pp. 78?79.

الاكتشاف الثاني الذي عزز بشدة حقيقة أن الكون بدأ في الوجود هو نظرية "الإشعاعات الخلفية الكونية" CMB ‘cosmic microwave background’. حصل هذا الاكتشاف عام 1967، عندما اكتشف مهندسَي الراديو أرنوس بينزياس وروبرت ويلسون مصادفة أشعة قادمة من الفضاء تم تصنيفها على أنها أثر متبق من آثار الانفجار العظيم. إذا كان الكون في وقت ما في وضعية كثافة عالية جداً، فلا بد أنه قد كان حاراً جداً حيث أن حرارة المادة ترتفع بارتفاع ضغطها. وبما أن المواد الساخنة تبعث إشعاعاً حرارياً فيمكننا أن نتوقع أن الحرارة المتبقية من ولادة الكون لازالت تسبح في الكون حتى اليوم على هيئة وهج خافت من الإشعاع. وهذا ما أكده اكتشاف "الإشعاعات الخلفية الكونية".

بما أن حجة الكلام الكونية سليمة منطقياً، فإن صحة الفرضيات تقتضي صحة الاستنتاج بالضرورة. وبالتالي إذا صح أن الكون بدأ في الوجود إضافة إلى ما تأكده معرفتنا الميتافيزيقية من أن الأمور لا تقفز ببساطة الى حيز الوجود من اللا شيء، ينتج عن ذلك أن الكون له مسبب خارج المكان والزمان.

Sunday, 29 June 2008

رؤية فلسفية حديثة في تحدي القران المعجز _ معجزة القران

رؤية فلسفية حديثة في تحدي القران المعجز _ معجزة القران

تبذل العديد من الجهود لتجلية القرآن على أنه معجزة من الناحية اللغوية. وبالرغم من وفرة الدراسات القرانية، إلا أنه ليس هناك تفسير موجز يوضح أين تكمن المعجزة القرانية تحديداً من خلال توظيف الدراسات القرانية الحديثة واستخدام مفهوم محدد للمعجزات في فهم التحدي القراني. وفي ضوء صيغة جديدة لمفهوم المعجزة يمكننا أن نصوغ نقاشاً أقوى حجة يلخص المعجزة القرانية بكليتها.

يخبرنا مؤلف القران أنه كتاب موحى من االسماء، وبالتالي فقد أقحم الله المششكين بالقران في تحد لدحضه، حيث تحدى القران البشرية بأن تضاهي النص القرآني وأن تأتي بمثله ولو في أقصر سورة بحيث يقود عجزهم عن ذلك منطقياً إلى الاعتراف بالمصدر الإلهي لهذا الكتاب.

(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) (1)

يأمر الله الإنسانية هنا على سبيل التحدي و للبرهنة على مصدر القرآن الإلهي أن تحاول الإتيان ولو بجزء من مثله، واستحالة ذلك تقتضي ضمناً إقامة الدليل على أن هذا القران ليس من قول بشر وإنما هو وحي يوحى.

إذا كان القرآن معجزة، فما هي إذن العوامل التي تحدد إعجاز القرآن؟ تعتمد اللغة العربية على ثمان وعشرين حرفاً بالإضافة إلى عدد محدود من الأبنية النحوية، وهذا العدد المحدود من الأحرف والأبنية يسمح لأي تعبير في اللغة العربية بالتشكل إما في قالب شعري أو نثري.

والشعر وسيلة تعبيرية تخضع لمقاييس الوزن والقافية وتوظف أنماطاً إيقاعية محددة وصارمة، حيث أن موسيقى الشعر العربي تخضع لتقسيم إيقاعي يسمى "البحر". وهناك ستة عشر بحراً موسيقياً في اللغة العربية وهي: الطويل، البسيط، الوافر، الكامل، الرجز، الكفيف، الهزج، المتقارب، المنسرح، المقتضب، المتدارك، المديد، المجتث، الرمل، الخبب، السريع. ومن منظور أدبي فإن أي قصيدة شعرية لابد أن تبنى على أحد هذه البحور الموسيقية وتلتزم به. (2)

أما النثر العربي فيسمى بالكلام المنثور (غير المنظوم)، مما يعني أنه لا يخضع للأنماط الموسيقية كالشعر، كما هو موضح أعلاه. والنثر العربي ينقسم إلى قسمين: المسجوع وهو النثر الذي فيه إيقاع، والمرسل وهو النثر الخالص الذي يخلو من الموسيقى والإيقاع. والإيقاع في السجع يوظف بشكل غير منتظم مما يجعله مختلفاً عن البحر.(3) أما المرسل فهو الشكل الأدبي الذي يستمر الكلام خلاله باسترسال دون تقطيع إيقاعي أو غيره، وهو يوظف في اللغة اليومية المحكية.(4)
وصفت الدراسات الحديثة على أيدي باحثين عرب معاصرين الأسلوب القراني على أنه شكل فني فريد. وبرغم أن بعض الآيات قد تتلاءم وإيقاع بحر معين إلا أن السورة بأكملها لا يمكن أن تقسم وفقاً لتقسيم البحور.

تقول كريستينا نيلسون ( Kristina Nelson): "وبرغم أن بعض مقاطع القرآن من الممكن تقطيعها وفقاً للبحور الشعرية إلا أنها لا تمثل طبيعة أنماط المقاطع الايقاعية القرانية بقدر ما هو اجتزاء أبتر للأنماط الإيقاعية." (5)

ولفهم هذه الخاصية القرانية لابد من النظر إلى النص القراني على أنه دمج أو مزج فريد بين الايقاعي وغير الإيقاعي، مما يخلق نموذجاً فذاً لا يمكن إدراجه تحت بحور الشعر، أو تحت النثر المرسل. لقد أدرك الباحثون في اللغة العربية من غير المسلمين خصوصية هذا النموذج المتفرد، وأكدوا أصالة النموذج القراني، بل ذهبوا أحيانا أبعد من ذلك فوصفوه بأنه نموذج من المستحيل مضاهاته.
"إن أبلغ كتاب العرب لم ينجحوا في الإتيان بمثل هذا القران" (6)

"لقد خاض بعضهم التحدي في عهد محمد عليه السلام، لكن محاولات تقليد القران الباقية، والمحاولات الساخرة المستهزئة من اللاحقين الذين كان من بينهم أسماء بارزة حاولت مضاهاة إبداع النصوص الإسلامية المتفردة، كل هذه المحاولات في القديم والحديث لم تؤثر قيد أنملة على حقيقة تفرد القران وإعجازه."(7)

"القرآن نص لا يضاهى، لا من حيث قوة حججه وبراهينه، ولا من حيث بلاغته وبيانه، ولا من حيث تركيبه ونظمه."(8)

"ومن وجهة النظر الأدبية، يعتبر القران نموذجا للغة الفصحى الخالية من أي شوائب، ولذلك اعتمد النحاة على تعابير وتراكيب معينة من القرآن في التقعيد للنحو العربي، كما باءت كل المحاولات لإنتاج نص في إبداعه وتفرد أسلوبه بالفشل" (9)

"لذلك ليس هناك أي احتمال في وجود تزييف أو خداع في النص القراني، وهذا ما يجعله متميزاً عن النصوص الدينية الأخرى. وإنه لمن الاستحالة بمكان أن هذا الرجل الأمي استطاع أن يؤلف كتاباً هو الأفضل في اللغة". (10)
"وحينما كان يطلب من محمد أن يأتي بمعجزة لإثبات صدق رسالته، كان يجيب بأن هذا الكتاب المعجز المبين هو الدليل على مصدرها الإلهي، وفي الواقع فقد أذهلت لغة القرآن البديعة حتى غير المسلمين، و قد سلب بكماله المتجانس وجاذبية موسيقاه وسهولة أدائه لب ذلك الشعب الفطري المولع بالبلاغة. إن سعة مقاطع كلماته، وتدرج إيقاعاته ونغمته المميزة كان لها أكبر الوقع في التأثير على أشد الناس عدائاً وأكثرهم شكاً " (11).

وخصوصية القران لا تنبع فقط من لغته الفريدة، وإنما من الانسجام بين أسلوبه الفريد و رسالته الكلية المتناغمة. وقد يدعي البعض أن استحالة مضاهاة القران سببها أن التحدي مبني على معايير غير موضوعية، حيث أنه متعلق باعتبارات جمالية بحتة، إنه بمثابة التحدي الذي يواجهه الفنان لو طلب منه أن ينتج عملاً فنياً مماثلاً لعمل فني آخر هو أكثر التزاما بالمعايير الجمالية الموضوعية. ولأن الجمال أمر نسبي في النهاية ، لا يمكن لهذه المهمة أن تتم. ولو أن القرآن صاغ التحدي على هذا النحو، لكان النقد صائباً في أن أي عمل عربي لن يستطيع دحض هذا النص. لكن وفقاً للعديد من الدراسات التي تتناول جماليات النص القراني وعمقه، لم يطلب الله سبحانه وتعالى مضاهاة الأسلوب الجمالي في القران، وإنما يتضح من الآية الكريمة "فأتو بسورة من مثله"، وفي ضوء ما سبق شرحه، أن المقصود من التحدي مضاهاة البنية اللغوية أو النسق الأسلوبي. وبهذا يكون التحدي موضوعياً، وموضوعية هذا التحدي تظهر من خلال الاختلاف المحدد بين الشكل الأدبي للشعر و النثر.

إن أسلوب القرآن يتجاوز طاقات اللغة العربية، فثمانية وعشرون حرفاً وعدداً محدوداً من القواعد التركيبية تحكم طاقة اللغة الإبداعية، لكن الطاقة الإبداعية للغة القرآن تتجاوز طاقات اللغة فتنتج كلاما يضم الأسلوب النثري المسجوع والمرسل والإيقاع الشعري المتمثل في البحور، دون أن يخضع لأي منها. لكن كل النصوص السابقة للقران والتي جاءت بعده لم تخرج عن هذين التصنيفين الشعر والنثر.

إن أسلوب القرآن لا يمكن أن يخضع للتصنيفين المحددين في اللغة العربية، ما يعني أن هذا الأسلوب الفريد يتجاوز طاقات اللغة، مما أثبت إعجازه على مدى 1400 سنة. وبذلك يكون من المنطقي التصديق بأنه وإن كان من المستحيل ظهور القرآن بشكل طبيعي، فبالنظر إلى محدودية اللغة العربية، يبدو التفسير الإعجازي لمصدر القرآن أكثر التفاسير منطقية.

بإمكاننا أن نلخص نقاشنا السابق كما يلي:

1) الشعر والنثر هما الشكلان اللذان تشملهما طاقة اللغة العربية.

2) الأسلوب القرآني جاء فريداً ومتميزاً، فهو لا يخضع لأي من الأنواع الأسلوبية في اللغة.

3) وبذلك يتجاوز القرآن طاقة اللغة العربية الإبداعية.

بما أن الفرضيات الثلاثة صحيحة ، فإن النتيجة ( 4) هي صحيحة بالضرورة.













Sunday, 22 June 2008

الإلحاد الهجومي


Militant Atheism

الإلحاد الهجومي

في زمن مضى، ساد اعتقاد بأن أبناءنا وأحفادنا سيعيشون في عصر خال من الدين وما يحويه من أوهام الطفولية، وقد كانت الذروة الثقافية لذلك الجيل في الثامن من أبريل عام 1966 عندما نشرت مجلة التايم تحقيقاً رئيسياً بعنوان "هل مات الإله؟" يصف ظهور حركة جديدة سميت بـ "حركة موت الإله". وبعد ما يزيد عن الخمسين عاماً، يبدو ذلك الزعم أبعد ما يكون عن الصحة. فقد بات من المعلوم اليوم أن معدلات التدين عبر العالم- بما في ذلك العالم الغربي- آخذة بالازدياد منذ الثمانينيات. لقد ولَّدت حركة "موت الإله" اهتماماً متجدداً بالله والروحانية، وبدلاً من أن تتحقق التنبوءات الإلحادية بـ"عالم بلا إله"، بدأ الإيمان بالله وبالدين في النمو مجدداً إلى درجة أثارت دهشة من ينظر إلى هذه الأمور على أنها مجرد خرافات وأساطير وجلبت سخطهم الحاد. ومن رحم ذلك الانزعاج الشديد والإحباط ولدت حركة مضادة للتدين تعرف بـ " الملحدين الجدد " و أحياناً بـ " الإلحاد الهجومي".

احتل كتاب "وهم الإله" للمؤلف الشهير ريتشارد دوكينز (Richard Dawkins) المرتبة الأولى في قوائم الكتب الأكثر مبيعاً لعام 2006 في كل من أمريكا وبريطانيا ، وحقق كتاب هيتشنز "الله ليس عظيماً" هو الآخر مستوىً مماثلاً من النجاح، كما لاقت كتب أخرى تروج للإلحاد لكتَّاب كـ سام هاريس (Sam Harris) وغريلينغ (A C Grayling) و دانيال دينيت (Daniel Dennett ) إقبالاً واسعاً.

ما يميز هذا النوع من الإلحاد ليس محتواه الفكري، فالملحدون الجدد لم يأتوا بأي إضافة جديدة أوجوهرية مقارنة بما جاء به قادة الإلحاد الأوائل من أمثال هيوم وكانط، لكن ما يميزه كـ "تيار جديد" هو النبرة الحادة والسلوك الخبيث والعدائي تجاه الدين، فقد لجأ هؤلاء الملحدون الجدد إلى استئصال الدين بالقوة بعد مواجهة حقيقة أن الدين لن يضعف وينتهي من تلقاء نفسه. إن الإخماد القسري للدين هو أكثر سمات الإلحاد الجديد إقلاقاً فخطاب الاستئصال هذا يشبه الدين بالأعمال التخريبية والعدوى الخبيثة في سبيل تبرير محاولات محوه من حياتنا.

في مقدمة كتابه "وهم الإله"، يصرح دوكينز عن نيته في تحويل المؤمنين المتدينين إلى ملحدين بتحريرهم من سيطرة تنشئتهم العقيدية، كما أنه يرى في تنشئة الأبناء على هوية دينية شكلاً من أشكال ّ"التعدي على الأطفال".

أما غريلينغ (A C Grayling) فيصف الدين بأنه " أحد أسوأ مسممات الشؤون الإنسانية"(1)، بينما يشبه زميله في الإلحاد كريستوفر هيتشنز (Christopher Hitchens) المتدينيين بالفئران الحاملة للطاعون في رواية الطاعون لألبرت كاموس (2). ويوضح موقفه من الدين بقوله "لو أمكنني التلويح بعصا سحرية و التخلص إما من الاغتصاب أو الدين لاخترت التخلص من الدين"(3). دينيت أيضا كتب ما نصه: " أظن أنه لا توجد قوة على هذا الكوكب أكثر خطورةً علينا جميعاً من التعصب الأصولي في كل الأديان : البروتستانتية والكاثوليكية واليهودية والإسلام والهندوسية البوذية، إضافة إلى أعداد لا تحصى من أنواع العدوى الأصغر حجماً"(4).

سيتذكر المطلعون على الأيدولوجيات السياسية في القرن العشرين هذا النوع من الخطاب جيداً، فكما توضح تينا بيتي (Tina Beattie) ليس استخدام لغة الحقد في وصف العدو بالأمر الجديد، فقبل أن يقتل النازيون اليهود وصفوهم بأنهم حشرات طفيلية، وقبل الإبادة الجماعية في رواندا وصف الهوتو جيرانهم التوتسي بالصراصير.

وكما يبدو فإن الملحدين الجدد يلقون باللائمة على الأديان في التسبب بكل مشاكل الإنسان المعاصر، عدا عن ادعائهم بأن الدين يفسد جميع قيمنا ومنظوراتنا الأخلاقية وأنه المسؤول عن معظم أعمال العنف في العالم سواء في الماضي أو الحاضر.

ليس باستطاعة أحد أن ينكر وجود أفراد ‘متدينيين‘ ارتكبوا أعمال عنف حديثاً أو عبر التاريخ، لكن هذا التركيز على الأفعال السلبية لبعض المؤمنين والإدانة للدين بالجملة استناداً إلى أفعال أقلية من المتطرفين يولد نظرة قاصرة لا تترك مجالاً لنقاش أكثر دقةً حول سببات مثل ذلك العنف.

موقف داوكينز تجاه الدين.. يجعل منه بدرجة كبيرة "نيك غريفين" أو زعيم الإلحاد.

غالباً ما يظهر أسلوب تشويه السمعة هذا ضمن التصريحات الجامحة والتعميمات غير المبررة في الحوارات مع الحزب الوطني البريطاني (BNP) . فمثلا يصف نيك غريفين الإسلام بأنه "شرير وماكر " متجاهلاً الكثير من أوامر الدفاع عن العدالة في القرآن، وموقف دوكينز تجاه الدين وعدم رغبته بالاعتراف بأي توظيف جيد له يجعلان منه بدرجة كبيرة "نيك غريفين" أو زعيم الإلحاد.

إن الإلحاد الجديد أشبه ما يكون بحيوان جريح يجاهد يائساً في سبيل البقاء، وسيلجأ لأي وسيلة ممكنة في هذا الصراع. ومما يثير الدهشة بحق فيما نشاهده من مواقف بعض الملحدين الجدد أن هناك تشابهاً كبيراً بين مواقفهم ومواقف المتطرفين من المسلمين ومن الأصوليين المسيحيين.

يكشف سام هاريس عن مشاعر الازدراء بشكل جلي من خلال استعداده لتبرير أي استخدام للعنف مهما كان متطرفاً طالما أنه يرتكب في سبيل محاربة هذا التهديد المزعوم الذي يشكله الدين، ومن وجهة نظره فإن التهديد لا يكمن في الإسلام المتطرف فحسب بل في المسلمين بشكل عام.

برأي هاريس فإن "العديد من المسلمين يقفون على أعتاب البربرية الدموية للقرن الرابع عشر وإن أي شاهد منصف على الأحداث الحالية سيدرك أنه لا يوجد تساو أخلاقي بين استخدام القوة الذي تمارسه الديمقراطيات المتحضرة في العالم –رغم مثالبه- وبين العنف المميت الذي يمارسه المحاربون المسلمون أو الحكومات المسلمة"(5)، هذه الصورة القاتمة للإسلام تقود هاريس لاستنتاجٍ مفاده أنه لا بد لنا من إراقة الدماء في حرب الأفكار (6)، وأن التعذيب ليس أمراً مسموحاً به فقط بل هو ‘ضروري‘.(7).

"لا يمكننا أن نسمح لمخاوفنا بشأن الأضرار الجانبية أن تشلنا لأنه ليس لدى أعدائنا مخاوف مشابهة. تسير الحروب على نهج "قتل الأطفال أولاً"، وتجاهلنا للفرق الجوهري بين العنف الصادر عنا وذاك الصادر عنهم يعرضنا للخطر. نظراً لانتشار الاسلحة في العالم لم يعد بإمكاننا شن هذه الحرب بالسيوف، ومن المؤكد أن الأضرار الجانبية بمختلف أنواعها ستحتل جزءاً من مستقبلنا لسنوات عديدة قادمة." (8)

يجب علينا رؤية هذه الحركة الجديدة على حقيقتها دون أن ننخدع بخطابها الذكي الذي يتنكر على هيئة حارس للمنطق الحر النقي. إن المجتمعات الغربية الحديثة تقدر التسامح وقبول الآخر وترفض المطالبين بالقضاء على أي معتقد وأتباعه صحيحاً كان أم خاطئاً. وفي حين يتوجب علينا الحذر من التطرف الديني بجميع أشكاله، فإنه لا بد لنا -وللأسباب ذاتها- من خشية التعصب العلماني الذي يسيطر على الطبقات الفكرية في شكل من أشكال الإلحاد الهجومي، والذي لا ينبغي الاستخفاف بما قد يؤدي إليه من عواقب مدمرة.

Thursday, 12 June 2008

المحطة المقبلة .. المثلية الجنسية الإسلامية



لقد شهدنا الهجوم الذي شنَّه دعاة المثلية على الديانة المسيحية، فهل تظنون حقاً أنهم سيستثنون الإسلام في بريطانيا؟ أعتقد أننا بحاجة إلى تناول هذه المسألة بشكل مباشر، وأفضل وسيلة للدفاع في حالة كهذه هي الهجوم. أولاً، دعونا نصحو على حقيقة المشكلة: يوجد من المسلمين من يمارس نمط الحياة الجنسية المثلي، سواءً في السر أوالعلن. وأسوأ ما يمكن القيام به تجاه هذه الحقيقة هو إنكارها. كيف لنا أن نساعد هؤلاء الأفراد المضللين من المسلمين إذا كنا ننكر وجودهم في الأساس؟ إن لم يتواجد لدى المسلمين شبكة دعم متخصصة لمعالجة هذه المسألة ومساعدة أفرادها في التغلب على الصعوبات وتجاوز فتنة كهذه، فسنخسر حتماً من لديه من المسلمين ميول لممارسة أنماط حياة أخرى ‘بديلة‘. علينا أن ننظر إلى المثلية الجنسية على أنها مجموعة من التصرفات التي يمكن السيطرة عليها- إذا وجدت الرغبة في ذلك- وإلا فإننا سنخسر هؤلاء لصف الليبراليين وخطاب "لقد ولدتَ بجين المثلية الجنسية". كم من المساجد برأيكم فيها أئمة قادرون على التعامل مع هذه القضية على نحو ملائم ؟ بدلاً من الاكتفاء بـ " حرام يا أخي " .

أرى أيضا أنه من المهم التمييز بين الأفكار المثلية والسلوك المثلي. دعاة المثلية حريصون جداً على إثبات كون الميل المثلي يتحدد وراثياً، ليستنتجوا من ذلك أن هذا الميل 'طبيعي' مما يجعله بالتالي أمراً مقبولاً اجتماعياً وأخلاقياً. هذا على الرغم من أن نتائج الأبحاث الخاصة بجين المثلية – الذي لا يزال مراوغاً - بعيدة عن القطعية. لكن حتى وإن قبلنا بذلك كحقيقة علمية، فهذا لا يعني أن تحويل هذه الأفكار إلى سلوك مثلي يعد صائباً من الناحية الأخلاقية. فافتراض أن ميولنا الجنسية يتم تحديدها من خلال بنيتنا الوراثية وأنها بالتالي ‘طبيعية‘ومن ثم ‘سليمة‘، يخلق معضلات أخلاقية أكثر غرابة من تلك التي يحلها. وذلك لأنه إذا تم الحكم على أي سلوك بأنه ‘سليم‘ لمجرد كونه 'طبيعي' ، فإن السلوك المثلي لن يكون السلوك الوحيد الذي سيتم تشريعه. بل إن جميع أنواع السلوك الغير مقبول (أو الذي لم يتم قبوله بعد) بما في ذلك الشذوذ الجنسي كممارسة الجنس مع الأطفال ستغدو مقبولة أيضاً إذا أمكن لأحدهم أن يثبت وجود جين خاص بالاعتداء الجنسي على الأطفال والذي – بالمناسبة – يدعي بعض العلماء وجوده. إن أي صاحب تفكير سليم لن يؤيد مثل هذا السلوك! بل سيسعى عوضاً ذلك للبحث عن مساعدة لأصحاب مثل تلك الميول حتى يتمكنوا من السيطرة على رغباتهم ويمتنعوا عن الانجراف خلفها. معنى ذلك أن كون ميولنا طبيعية لا ينتج عنه يالضرورة ومن خلال الاستنتاج المنطقي أن تصرفاتنا المنبثقة عنها سليمة. وإضافة إلى ذلك فإن الله لا يدين الأفكار المثلية (بل إنه سبحانه لايعاقب على أية أفكار سيئة، وإنما يريد منا اجتنابها كي نحمي أنفسنا) ولكنه سبحانه يدين السلوك والانحراف الذي قد تولده مثل تلك الأفكار.

عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى قال : (( إن الله - عز وجل - كتب الحسنات والسيئات ، ثم بين ذلك ، فمن هم بحسنة ، فلم يعملها ، كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها ، كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وإن هم بسيئة ، فلم يعملها ، كتبها عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها ، فعملها كتبها الله سيئة واحدة )) . رواه البخاري ومسلم .

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال : (( إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدثث به أنفسها ، ما لم يعملوا به أو يتكلموا )).
إن كنت تظن أن نمط الحياة المثلي يمارسه وينخرط فيه فقط من يسمون "المسلمون الليبراليون" أو "المسلمون بالثقافة" كما يسمون أنفسهم أحياناً، فأنت مخطئ حتماً. هناك منظمات مثل 'منظمة إيمان' و 'منظمة الفاتحة' في الولايات المتحدة تؤمن بشرعية عيش حياة إسلامية تتضمن ممارسة المثلية وتدعي أن الشريعة الإسلامية لا تتضمن أية أوامر بخصوص النشاط المثلي، أو أن تلك الأوامر ليست صالحة ليومنا هذا. قبل أن نتمكن من تناول صواب أو خطأ المثلية، علينا أن نسأل: كيف نقرر إذا كان هناك فعلاً ما يسمى بـ 'الصواب' أو 'الخطأ'. نحن المسلمون نؤمن بأن الله هو أعظم كيان مثالي يمكن تصوره، وهو بحكم تعريفه يتصف بالخيرية المطلقة. من هنا فإن الله في كماله، خاطب بطبيعتة الخيرة مطلقاً الإنسانية بمبادئ توجيهية والمعروفه لدينا باسم الشرائع والتي تصبح بالنسبة لنا واجباتٍ أخلاقية مثل: يجب أن لا تسرق، أن لا تأكل لحم الخنزير، وأن لا تلحق الأذى بالآخرين. ما يجعل هذه الأوامر صائبةً أخلاقياً هو النظر إليها على أنها أوامر إلهية يمكن إرجاعها الى مصدر مباشر منبثق عنه سبحانه. وأوامره سبحانه ليست مزاجية بل تنبعث بالضرورة من طبيعته الكاملة.

المسلم هو الذي يستسلم لإرادة الله

يقع هذا المفهوم في صميم العقيدة الإسلامية. وأصل كلمة «مسلم» هو: من استسلم لإرادة الله، والتعريف الدقيق للمسلم هو من سلَّم إرادته وأعماله وإيمانه وعقله لله. وقد أعطانا الإله الحق- الذي هو باعتقادنا حقيقية وليس أسطورة- أوامر فعلية للتعامل مع كل مسألة جادة قابلة للصواب أوالخطأ.

قال تعالى : "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا". ]سورة النساء: 65[

قال تعالى: " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا" ]سورة الأحزاب: 36[

قال تعالى: " الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا " ]سورة المائدة: 3[

قال تعالى: " وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ" ]سورة التغابن: 12[

قال تعالى: " إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ · وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون" ]سورة النور: 51[

قال تعالى : " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ" ]سورة النساء: 64 [

قال تعالى: " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" ]سورة النساء: 115 [

يتضح من الإشارات القرآنية أنه من الواجب على المسلمين طاعة الله والخضوع لإرادته وأن هذه هي السبيل لعيش حياة فاضلة، غير أن كثيراً من المسلمين أصيبوا بعدوى الشبهة التي مفادها: أن فعلاً ما يعد مقبولاً بمجرد شعورك بأنه كذلك. ومن ثم يتناول الناس مسألة الصواب والخطأ لا على أنها مسألة حقائق، بل على أنها مسألة ذوق. لا توجد قيم موضوعية في ما يتعلق بالمسائل الذوقية، بل كما يؤكد حكمك على الآيس كريم بأنه طيب الطعم أن: " آيسكريم الفستق لذيذ الطعم بالنسبة لك وليس لي". هكذا يتم توسيع هذا النوع من المواقف النسبية لتشمل القضايا الأخلاقية: "هو صواب بالنسبة لك ولكنه ليس صواباً بالنسبة لي". وبداية، أعتقد أنه من المهم جداً أن نفرق بين التزاماتنا الأخلاقية ومشاعرنا أو ردود فعلنا تجاهها. علينا أن ندرك أن التزاماتنا الأخلاقية تجاه الله مستقلة عن حالة الشعور بالذنب أو عدمه تجاه الأفعال المعنية. عندما نفشل في تلبية أوامر الله، فنحن مذنبون أخلاقياً. وإذا تم فرضاً تخديركل شخص في العالم إلى درجة يشعر عندها أن القتل العشوائي للناس صواب أخلاقياً، فإن تشريع الله المتعلق بفعل القتل العشوائي سيظل العامل الحاسم في تحديد قيمة هذا الفعل الأخلاقية وسيظل للفعل قيمة أخلاقية سلبية، بغض النظر عن مشاعر الناس حياله.

"في غياب الله، يصبح كل شيء مباحا"ً

ويترتب على ذلك أيضاً أنه إن لم يكن الله موجوداً فإن مسألة الصواب والخطأ ستصبح مسألة نسبية تابعة لآرائنا الخاصة. وكما قال الروائي الروسي دوستويفسكي " في غياب الله، يصبح كل شيء مباحاً". و ستصبح الأخلاق نتيجة ثانوية للتطور الاجتماعي البيولوجي الذي يختلف من مجتمع إلى آخر. ومن ثم لن يعود لشيء في الواقع قيمة أخلاقية، بما في ذلك المثلية الجنسية. إذا أراد المسلمون إثبات شرعية المثلية، فأن أفضل طريقة للقيام بذلك هي باتخاذ موقف إلحادي. ولكن المشكلة أن المثليون لا يريدون أن يلحدوا ويناشدوا أحكاماً أخلاقية كـ" لا للتمييز" ليصلوا من خلالها إلى أن أنه من الخطأ التمييز ضد المثليين جنسياً. يبدو إذن أن هناك مشكلة مفاهيمية تسبب هذا التوتر. وما توصلت إليه هو أن العديد من المسلمين استسلموا لله روحانياً ولكنهم لم يسلموا عقولهم لله (أرجو أن لا يساء فهمي على أنني أشير إلى عدم وجود حرية فكرية في الإسلام). ما أقصده هو فقط أنهم لا يفكرون كمسلمين...كشخص سلّم كامل وجوده إلى الإسلام، بما في ذلك نظرته الأخلاقية.

إن المسلمين العلمانيين/ الليبراليين يتناولون القضايا الأخلاقية بناءً على فلسفة مسبقة - عادة ما تكون ليبرالية- تشكل وتستوعب الإطار الإسلامي. وعندها لايغدو الحق والباطل أمران يحددهما الله، بل يحددهما مبدأ مبني على أسس عشوائية، يشكل إطار الإسلام الأخلاقي تبعاً لفهمه الخاص للصواب والخطأ.

على أية حال، تبعاً لما ذكرناه مسبقاً فإن الأخلاق ليس لها معنىً إلا بوجود الله لننسبها إليه، ومن ثم للإجابة عما إن كانت المثلية صائبة أم خاطئة أخلاقياً، علينا أن نرجع إلى حكم الله في هذه المسألة. إذا استندنا فقط إلى أطرٍ نسبية بمعزل عن الله فإن موقف كل من مضطهدي المثليين والمدافعين عنهم سيكون له فعلياً نفس القيمة الأخلاقية، لأنه حينها لن يكون هناك وجود فعلي للصواب والخطأ.

ومن هنا، إذا نظرنا إلى القرآن والسنة سنجد أن المثلية الجنسية محرمة، مما يجعل هذا الفعل خاطئاً من الناحية الأخلاقية.

(1) بصفتنا مسلمون فإننا ملزمون باتباع إرادة الله.

(2) نحن نستمد شرع الله من الوحي (القرآن والسنة).

(3) يحرم الوحي السلوك المثلي.

(4) لذلك، يعد السلوك المثلي مخالفاً لإرادة الله. أي خاطئٌ أخلاقياً.